اكاديمية جرد المطولات
 
غير مسجل. المرجو تسجيل الدخول
 

الغرض من الجرد

المراد بجرد المطولات:
جرد الكتب المطولّة يراد به قراءتها قراءة يستقصي بها القارئ ما يريده منها، وهو مأخوذ من جَرْدِ الأرض إذا استؤصِلَ نبتها، وأُتي عليه. قال الزبيدي: (جُرِدَت الأَرضُ فهي مجرودة إِذا أَكلَ الجَرادُ نَبْتَها، وجَرَدَ الجَرَادُ الأَرضَ يَجْرُدها جرْداً: احْتَنَكَ ما عليها من النَّبَات فلم يُبْقِ منه شيئاً)ا.هـ. وقال ابن فارس: (وقال بعضُ أهلِ العِلم: سمِّي جراداً لأنّه يجرُد الأرضَ يأكلُ ما عليها). وهكذا شأن طالب العلم إذا قرأ الكتب المطوّلة ليستقصي ما تضمنته من الفوائد، حتى لا يكاد يفوته شيء مما أراده منها.

فوائد جرد المطولات:
يمكن إجمال فوائد جرد المطولات في النقاط التالية: 1. تعريف طالب العلم بمعالم العلوم التي اعتنى بها أهل العلم، واستجلاء أبوابها وفصولها ومسائلها، وهذه من أعز معارف طلاب العلم والعلماء؛ لأنها تجعل خريطة المسائل العلمية واضحة في ذهن طالب العلم؛ فيعرف موضع كلّ مسألة، ومراجع بحثها، معرفة ذهنية سريعة تمكّنه من سرعة الوصول إلى المعلومة المطلوبة وتسهيل بحثها. 2. توسيع المدارك بمعرفة تنوّع طرق العلماء في تناول المسائل العلمية؛ وقد تكون المسألة من المسائل المشتركة بين عدد من العلوم فيبحثها أهل كلّ علم من وجه عنايتهم؛ فيحصل لطالب العلم بمعرفة هذه الأوجه من سعة الأفق في تصور المسائل العلمية ما هو أنفع له من كثير من الشرح، ولا سيما إذا أجرى ذلك التصور على نظائر تلك المسائل. 3. ضبط المسائل العلمية ورسوخ معرفتها في الذهن بكثرة القراءة وتكرار المرور عليها من أوجه متعددة. 4. تعميق المعرفة العلمية وتأصيلها بالاطلاع على مصادر المسائل العلمية ومآخذها وأصول نشأة تلك المسائل، وما يتصل بها من تفصيل؛ فكثير من المسائل العلمية التي يدرسها الطالب في المختصرات إنما كانت دراسته إياها على وجه يحصل به التصور الأولي، وفهم تلك المسائل بما يناسب حال المبتدئين، لكنه إذا قرأ المطَّولات عرف ما وراء تلك المسائل من تأصيل وتفصيل، ومواقف وأخبار لأهل العلم، بل ربما كان بسبب بعض تلك المسائل من المحن والابتلاءات والمؤلفات والمناظرات والردود بين أهل العلم ما يطول ذكره، ويعظم أثره. 5. صقل مواهب القارئ وتنمية مهاراته وتوجيه عنايته إلى ما يحسنه من المسالك العلمية، وذلك أن طالب العلم إنما يقرأ لينتفع؛ فإذا وجد ما يوافق ما وهبه الله من ملكات ومهارات توجّه إليه؛ فكان ذلك فتحاً مباركاً له؛ لأنه يشغله بما يحسنه، ويضعه في الموضع المناسب له، ويسلك به المسلك الأمثل له في القراءة والطلب والدعوة والتعليم. 6. تعريف طالب العلم بما يحتاجه من المهارات العلمية المتنوعة وإعانته على اكتسابها، والانتفاع بتجارب أهل العلم قبله، وطرقهم في صقلها وتنميتها، وكثير من تلك المهارات له أثر قوي في اختصار كثير من الوقت والجهد وضبط المسائل العلمية، وبعض تلك المهارات لا تظهر الحاجة إليها إلا بعد الاطلاع على المطولات. 7. توارد الأفكار العلمية الكثيرة والمتنوعة مما ينقدح في الذهن بعد الوقوف على مواضع الحاجة في المطولات، ومما يجده من أمنيات أهل العلم في كتبهم، ودعواتهم للتأليف في بعض العلوم والأبواب والمسائل، وإرشاد بعضهم لطرق إعداد تلك المؤلفات؛ فيحصل لطالب العلم من جمع تلك الأفكار العلمية النافعة والنظر فيها بتأمّل والاشتغال بما يناسبه منها إسهام محمود في تنمية المكتبة الإسلامية وتتميمها، وإفادة طلاب العلم، وإذا اهتدى طالب العلم للمسلك الأنفع له وللأمّة فقد هُدي لخير عظيم.

أنواع الجرد:
للجرد أنواع مشتهرة في استعمال أهل العلم: النوع الأول: جرد كتاب بأكمله من أوّله إلى آخره؛ وهو أشهر أنواع الجرد، وأمثلته كثيرة جداً. النوع الثاني: جرد كتب متعددة لغرض واحد، ويكثر هذا المثال في أغراض البحث والتأليف وتقوية الأصول العلمية في باب من الأبواب. ومن أمثلة ذلك: جرد الكتب الستة لاستخراج الأحاديث المتعلقة بالعقيدة منها. النوع الثالث: جرد فصول محددة من كتب متعددة لغرض واحد. ومن أمثلته: جرد أبواب حكم المرتد في كتب الفقه وأبواب الإيمان في كتب العقيدة لأجل دراسة نواقض الإسلام وأحكام التكفير.

مقاصد الجرد عند العلماء:
تأمّلت مقاصد الجرد عند العلماء فوجدتها دائرة بين أمور: الأمر الأول: تصحيح النسخ وضبطها بالقراءة على الشيوخ أو مقارنة النسخ والروايات لدى العارفين بها، وهذا كان من أشهر المقاصد فيما مضى قبل زمن الطباعة. وهذا الأمر مقصده الأهمّ أن يحصّل نسخة موثوقة من الكتاب مع الإلمام السريع بمحتواه. والأمر الثاني: الجرد لغرض البحث، كأن يجرد كتاباً من كتب الحديث ليستخرج حديثاً يبحث عنه، أو كتاباً فقهيا من الكتب غير المرتبة على الأبواب ليبحث عن مسألة، وكان هذا النوع من الجرد شائعاً فيما مضى. وكان من العلماء من يصل بجرده الدقيق إلى إطلاق أحكام عامة من مثل قول بعضهم: وليس لفلان (من الرواة) في الكتب الستة إلا بضعة أحاديث ثم يذكرها. والأمر الثالث: الجرد لغرض استخراج نوع من أنواع المسائل العلمية أو باب من الأبواب، وهو أعمّ مما قبله، لأنه يجمع ما يتعلق بذلك النوع من المسائل أو بذلك الباب من الكتب التي يجردها. والأمر الرابع: الجرد لغرض التأليف، وهو أعمّ مما قبله، وهو كثير الاستعمال عند أهل العلم. والأمر الخامس: الجرد لغرض اختصار الكتب المطولة وتهذيبها. والأمر السادس: جرد الكتب المطوّلة لغرض التعليق عليها وتحشيتها،وهذا أمر خارج عن حدّ دراستها؛ فإنّ الذي يعلّق إنما يعلق على مواضع من ذلك الكتاب؛ فينبه على الخطأ، ويسدّ الخلل، ويشرح المستغلق. والأمر السابع: اتخاذ الكتاب أصلاً علمياً فيكرر قراءته مراراً كثيرة؛ فتكون قراءته الأولى قراءة متأنية، وقراءاته التالية كالجرد لغرض التعاهد والاستذكار.

وصايا لطالب العلم قبل الانطلاق في جرد المطولات:
مَن سَمَت همّتُه لجرد المطولات فليعلم أنّه إذا لم يأت هذا الأمر من وجهه الصحيح فقد عرّض نفسه لمخاطر ومزالق، وربما اغترّ بشيء من الفوائد واللطائف وهو مضيّع لأصول العلم في حقيقة الأمر. ذلك أنّ جرد المطولات كالغوص في البحور، من تقحّمه على غير معرفة وتأهّل كان على خطر من الهلاك، ولذلك أوصي من يريد جرد المطولات بوصايا مهمة:
الوصية الأولى: العناية بضبط المختصرات قبل الاشتغال بجرد المطولات
وذلك لأجل أن يكون للطالب في العلم الذي يريد جرد كتبه أصلٌ علمي يمكنه البناء عليه، يحقق له هذا الأصل ثلاث معارف مهمة: أولاها: معرفة أبواب ذلك العلم وفصوله ومسائله. وثانيها: معرفة مسائل الإجماع والخلاف في ذلك العلم بضبط يناسب مستواه العلمي. وثالثها: معرفة أئمة ذلك العلم وأهمّ الكتب المؤلفة فيها ومناهج مؤلفيها. وهذه المعارف الثلاث هي كالأساس للانطلاق في قراءة مطولات ذلك العلم، ويكفي أن يكون تحصيله فيها بما يناسب مستواه العلمي؛ فإنه إذا رُزق مع هذا الضبط حُسْنَ فهم، ومعرفةً لقدر أئمة ذلك العلم، وصلاحَ قصدٍ رُجي له أن ينتفع بقراءة كتبهم المطولة. والذي يبدأ بجرد المطولات وهو لم يتقن المختصرات يضيّع كثيراً من وقته وجهده في غير ضبط ولا إتقان، بل ربما أضرّ بنفسه بتقحمها لجج المسائل والخلافات وهو لم يضبط أصول ذلك العلم، ولم يعرف منهج أهله، وإن زعم أنه عارف فهو زعمُ مكابرٍ لا يرى جَهْلَ نفسِه. وليعلم طالب العلم أنه لا يحفظ وقته ولا يضبط علمه بمثل دراسة كتاب مختصر في ذلك العلم يكون كالأصل الذي يمكنه البناء عليه. فإن قيل: ماذا يصنع من ليس لديه أصل علمي ، ولديه تحصيل علمي سابق غير منظّم؟ قيل: من كان لديه تحصيل علمي سابق؛ فبناء الأصل العلمي الذي يمكنه البدء به لا يكلّفه كثيراً من الجهد والوقت؛ فليحرص على اختيار أنسب الأصول إليه وأنفعها له وأيسرها عليه، وقد مضى بيان أنواع الأصول العلمي عند أهل العلم. ثم لينطلق بعد ذلك في تنظيم قراءته في كتب ذلك العلم حتى يصل إلى جرد المطولات. وليحذر طالب العلم من استصعاب بناء الأصل العلمي في أيّ علم من العلوم، ولا يظننّ أن بناء الأصل يستلزم منه أن يؤلف كتاباً جامعاً في ذلك العلم يحرّر عباراته ويطيل في شرحه، فهذا الخطأ في التصور مما حرم كثيراً من طلاب العلم من اكتساب التأصيل العلمي ومن النبوغ وبلوغ مراتب العلماء. وإنما يكفيه أن يدوّن فيه ما يذكّره بما يحتاج إليه من الأبواب والمسائل وبعض الأقوال سواء ذكرها بنصها أو أحال عليها. والحال يقتضي من كثير من طلاب العلم أنهم يدونون في أصولهم عبارات أشبه بالإشارات، بل ربما استخدم بعضهم رموزاً خاصة، ولذلك فإنّ الأصول العلمية غير صالحة للنشر غالبا. وسبب ذلك أن طالب العلم كثيراً ما يقف على فوائد نفيسة وأقوال لأهل العلم وهو في حال عجلة من أمره أو اشتغال بدرس أو قراءة في كتاب، أو أمر عارض فلا يجد من الوقت ما يكفيه لتحرير العبارة واستكمال الكتابة، فيكتفي بوضع إشارة في أصله لتلك الفائدة أو إحالة أو اختصار.
الوصية الثانية: احرص على ما ينفعك
مسالك العلم كثيرة لا يحاط بها، وأوجه الانتفاع به متعددة، وخير تلك الأوجه لطالب العلم ما فُتح له فيه، ووافق ما وهبه الله من ملكات وقدرات علمية، ووجد من نفسه استعداداً له ونهمة فيه. وهذا يتبيّن لطالب العلم غالبا بعد اجتياز مرحلة التأسيس العلمي؛ فإنّه يعرف ما يحسنه هو من العلوم والمهارات، وما ينفعه الازدياد منه. وهذان الأمران ينبني عليهما تنظيم خطّة القراءة واختيار طريقة جرد الكتب. وطالب العلم إذا اعتنى ببناء أصله العلمي فإنه يعرف مواضع الحاجة لديه، والأبواب والمسائل التي لم يتقنها، فيختار من الكتب ما يتمّم به أصله، ويسدّ خلله، ويقوّي بناءَه العلمي. وإذا سار على هذه الطريقة الراشدة في اختيار الكتب وتتميم أصله كانت قراءاته في كتب أهل العلم مدارجَ له إلى حسن التحصيل وجودة التأصيل. وليحذر طالب العلم من الاغترار بتجارب الآخرين التي لا تناسبه؛ فيحمل نفسه على محاكاتها، أو الخوض فيها قبل التأهّل لها. ومن اشتغل بما لا يحسن ولا قدرة له على إتقانه أضاع وقته وجهده في غير طائل، وقد قيل: إذا لم تستطع شيئاً فدعه .. وجاوزه إلى ما تستطيع الوصية الثالثة: التفريق بين دراسة المسائل العلمية وجرد المطولات ينبغي أن يفرّق طالب العلم بين مقام دراسة المسائل العلمية، ومقام جرد المطولات؛ ولكل مقام ما يقتضيه؛ فأمّا مقام دراسة المسائل العلمية وتفهّمها فهذا يكون بدراسة المختصرات والبحوث الخاصة. وأما مقام جرد المطولات فينبغي أن يجمع فيه القارئ همّته على تحصيل مقاصد الجرد. ومن كلّف نفسه دراسة الكتب المطولة كما تدرس المختصرات رمى بنفسه في ميادين واسعة لا يبلغها جريه ، واقتضى الأمر منه السنين الطوال، والجهد الكبير على غير سداد؛ إلا أن يقتصر على كتاب أو كتابين يتخذهما أصولاً علمية يكرر قراءتها؛ فيحصل له بتكرار القراءة ضبط حسن.
الوصية الرابعة:ة: العناية بتربية النفس على السلوك الحسن في القراءة
طالب العلم تعترضه فتن في طريقه لطلب العلم يُختبر بها صدقه، ومن ذلك ما يجده من الفتن في وقته، وما يعترضه من الشواغل والقواطع، فهو معها في صراع ومغالبة، ومن انتظر أن يتهيّأ له الحال ليقرأ ويجرد كتب أهل العلم أضاع كثيراً من وقته في هذا الانتظار. ومما يغفل عنه كثير من طلاب العلم أنّ النفس تتعوّد ما عُوّدت عليه حتى في سلوكها في القراءة وطلب العلم، وإذا اعتادت على أمر حسن أو سيّء حتى يكون كالسجية لها شقّ عليها تركه والانتقال عنه إلا بمجاهدة ومصابرة. والنفس لها تطلّعٌ غالب فهي تنازع صاحبها بكثرة تطلّعها، وهذا التطلّع إذا لم يوجّهه المرء إلى وجهته الصحيحة انحرف إلى الاشتغال بالقواطع والشواغل وأدنى ما يثير الانتباه. ومن أخذ نفسه على القراءة بإقبالٍ وجمع همّة على الكتاب أفضى به الحال إلى أن يصل إلى مرتبة يقرأ فيها أضعاف ما كان يقرأ في ذلك المقدار من الوقت في أوّل الأمر؛ لأنّ النفس ترتاض لما يروّضها عليه صاحبها، وتكون لها مهارة فيه بكثرة المران، وطول المراس. ومن كان كثير التوقف والتردد ذهب عليه وقته الذي جعله للقراءة ولم ينجز أكثر ما كان يريد إنجازه، بل ربما كان ما أنجزه أنجزه على ضعف ونقص، فأثّر عليه هذا السلوك في القَدرِ والكيفية. ثمّ إن النفس إذا اعتادت كثرةَ الانقطاع شقّ عليها أن تواصل القراءة ساعة واحدة من غير انقطاع، بل ربما أقلّ من ذلك. ومن تأمّل أخبار العلماء وجدهم يواصلون الساعات الطوال وهم في انهماك شديد في القراءة حتى إن منهم من يذهل عن طعامه وشرابه وكثير من شؤونه!!. وأين تحصيل مَن هذا حاله من تحصيل كثير التوقف والتردد والاشتغال بأدنى عارض؟!! واعلم أن وقتك الذي تجعله لقراءة الكتب جزء من حياتك الثمينة، وأن اشتغالك بالقراءة من أعظم ما تعمر به وقتك وتنير به حياتك، ولذلك فإنّه ينبغي لك أن تحذر ما يسرق وقتك، ويشتت ذهنك، ويُضعف همّتك من القواطع والشواغل التي يمكنك تأجيلها حتى تفرغ من وردك من القراءة. واعتبر بحال مَن يجري في ميدان من الميادين وهمّته مجتمعة على مساره فإنه يقطع الشوطَ بأقلّ ما يمكنه من الجهد والوقت، بخلاف الذي يكثر الالتفات والتوقف والرجوع فإنه يضيع كثيراً من وقته وجهده في غير طائل، بل ربما سئمت نفسه وملّت.
الوصية الخامسة: العادة الحسنة تقطع بها المفاوز
من أمثل ما يستعان به في استثمار الوقت ونشاط النفس أن يكون للمرء عادة حسنة في القراءة كيفا وكماً ، وأن يكون له وقت معلوم في اليوم والليلة لا يخلّ به ما استطاع؛ يخصصه للقراءة والجرد، وقد يجد مشقّة في أوّل الأمر ويعترضه ما يضطرب به انتظامه لكنّه إذا صبر وصابر رجي له أن يوفّق لعادة حسنة يلتزمها، وعمل يداوم عليه؛ فيحصل له ببركة المداومة خير كثير. والنفس إذا ارتاضت للعوائد الحسنة سهلت عليها، وصارت كالجزء منها؛ بحيث إذا مرّ عليه يوم لم يؤدّ فيه ما اعتاده من العمل وجد فقده في نفسه. ومن وصل إلى هذه المرتبة أمكنه أن يعرف ما ينجزه في يومه وليلته، وأخذ نفسه بما يصلح لها من العمل فيترقّى سريعاً. وقد تأملت أحوال جماعة من العلماء فوجدت لهم عوائد حسنة يداومون عليها في عباداتهم وقراءاتهم وتعليمهم حتى إنهم ليؤدون أعمالاً كثيرة قد يرهق أحدنا نفسه ولا ينجز رُبعها، وهم يؤدونها على كبر في السنّ بجدّ ونشاط اعتادت عليه أنفسهم فلا يجدون له مشقة تحملهم على طلب الراحة منه. فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:224هـ) وهو من أهل العلم الكبار له مؤلفات مباركة وكان كثير التصنيف عالم بالتفسير والقراءات والحديث والفقه واللغة وهو من أئمة أهل السنة. قال عنه أبو بكر بن الأنباري: (كان أبو عبيد -رحمه الله- يقسم الليل أثلاثا؛ فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويصنف الكتب ثلثه). فجمع بين أداء حقّ الله وأداء حقّ النفس والاشتغال بالتصنيف والتعليم. ولو أنّ طالب العلم أخذ نفسه بالمداومة ساعتين أو ثلاث ساعات في اليوم على جرد كتب أهل العلم لأمكنه أن يجرد في عام واحد كتباً كثيرة يغذي بها أصوله العلمية ويقويها ويجد فائدتها وبركتها بإذن الله تعالى. والمقصود تنبيه طالب العلم إلى أن تربية النفس على عادة حسنة ومداومة على عمل تؤديه حتى يكون كالسجية لها خير من حملها على عمل شاقّ تؤديه بمغالبة ثم تنفر منه ولا تعود إليه إلا بمشقة ومجاهدة مرة أخرى

تنبيهات ومحاذير:
وفي ختام الحديث عن جرد المطولات هذه تنبيهات أودّ من طلاب العلم أن يعتنوا بها:
التنبيه الأول: التحذير من الاشتغال بالمطولات قبل ضبط المختصرات
فالعلم إنما يؤخذ بالتدرج، ومَن تقحّم المطولات وهو لم يضبط أصول العلم، فقد عرّض نفسه لمزالق ورمى بها في مخاطر، وقد سبق الحديث عن هذا الأمر. وهذا لا يقتضي أن يحرم طالب العلم نفسه من جميع المطولات طيلة فترة اشتغاله بضبط المختصرات، بل يمكن أن يقرأ - بقدرٍ - في المطولات المأمونة التي تمتاز بوضوح الأسلوب؛ إذا كان ذا فهم حسن وفطنة.
التنبيه الثاني: أن جرد المطولات لا يغني عن دراسة المسائل العلمية
من الخطأ البيّن ما يتصوره بعض الطلاب المبتدئين والمشتغلين بالقراءة من أن أحدهم إذا قرأ خمسة تفاسير أو سبعة أو أكثر من ذلك من التفاسير المطولة فإنه سيكون مفسّرا حاذقاً. وسبب الخطأ أن كثيراً من مسائل التفسير يحتاج العالم وطالب العلم إلى دراستها على يقتضيه نوع تلك المسألة، وهذا إنما يعرفه من أتقن أصول التفسير؛ فدراسة مسائل التفسير اللغوي ومراجع بحثه يختلف عن دراسة مسائل أحكام القرآن ومراجع بحثها، وهكذا في سائر أنواع المسائل العلمية المتعلقة بالتفسير؛ فلكل مسألة أصولها ومراجع بحثها ومصادرها الأصلية التي تُحصّل منها أقوالها، وبحث المسألة الواحدة من مسائل الخلاف في كل نوع من هذه الأنواع لا يكفى فيه هذا العدد من التفاسير؛ بل يحتاج الباحث فيه إلى مراجعة كتب أخرى مهمة غير كتب التفسير. وكذلك يقال في مسائل علوم الحديث والفقه والاعتقاد والتاريخ وغيرها. لكن من النافع لطالب العلم أن يكون له أصل علمي في ذلك العلم ثم يجرد كتاباً من الكتب المهمة فيه ويضيف إلى أصله ما يخرج به من قراءة ذلك الكتاب من الفوائد المتعلقة بتحقيق مقصد صالح من مقاصد الجرد.
التنبيه الثالث: احذر الموازنات الجائرة
من طلاب العلم من يوازن نفسه وهو في بداية طريقه في جرد المطولات بكبار القراء من العلماء الذين أمضوا سنوات طويلة في الجرد والقراءة والتحصيل، وتمرّنت عليه نفوسهم، ولهم أصول علمية كبيرة، فيقرأ عن بعضهم أنه ربما قرأ المجلد في جلسة واحدة؛ ثم يحاول أن يحاكيهم وليس له مثل أصولهم ولا تمرّسهم ولا مخزونهم المعرفي، ولا اعتيادهم على نمط جادّ في القراءة؛ فإذا رأى أنّه لم يطق ما أطاقوه رجع على نفسه بالحسرة والملامة، بل ربما انقطع عن الجرد. وهو بمطالبته نفسه أن يحاكي هؤلاء القراء الكبار كمن يطالب الصبي الصغير بمجاراة كبار العدّائين في السباق. وهذه الآفة من أسباب الحرمان، ولو أنّه نظر بعين البصيرة إلى حالهم في البدايات لوجدها مقاربة لحاله ، فإن سار على طريقهم، وانتهج نهجهم، وصبر مثل صبرهم كان حقيقاً بأن يصل إلى مرتبتهم في القراءة والتحصيل أو قريب منها.
التنبيه الرابع: الاغترار بالذاكرة السريعة والفهم الأولي
من يقرأ المطولات يقف على درر مكنونة من العلم، وتظهر له أفكار حسنة قيّمة في البحث العلمي، ولبعضها أثر في تحسين خطته العلمية في القراءة والدراسة، فمن غفل عن تدوين هذه الفوائد القيمة، والأفكار الحسنة اغتراراً منه بذاكرته لم يأمن عليها النسيان والتفلت حتى ربما أتى عليه وقت يجتهد في تذكّرها وطلبها ثم لا يهتدي لها. وكان من العلماء من إذا خطرت له خاطرة فيها فائدة علمية يقوم من فراشه ويوقد السراج ويدوّن الفائدة خشية نسيانها، وقد نقل هذا عن الشافعي والبخاري وغيرهما من كبار الحفاظ. ومن العوائد الحسنة أن يجعل القارئ لنفسه دفتراً أو ملفاً إلكترونيا يدوّن فيه تلك الفوائد والأفكار، حتى يكون له موضع واحد يتعاهده بالنظر والإضافة، ولا بأس أن يدونه أولا في آخر الكتاب لكن ليحذر من إغفاله بعد ذلك، والأولى أن ينقله إلى دفتر فوائده أو الملف الإلكتروني المخصص، فقد جُرّب أنّ الفوائد التي تدون على أواخر الكتب لا يكاد يرجع إليها القارئ إلا نادراً، فيضعف تعاهد تلك الفوائد والأفكار وإعمال الذهن فيها.
التنبيه الخامس: التحذير من الغفلة عن مقاصد الجرد وتنمية الأصول العلمية
جرد المطولات من أهمّ ما تُنمّى به الأصول العلمية، وكثير من العلماء لم يبلغوا مرتبة التحقيق في العلم إلا بعد جرد المطولات جرداً حسناً، ولذلك ينبغي أن يحذر طالب العلم من الغفلة عن مقاصد الجرد وتنمية الأصول العلمية به، فيشتغل باستطرادات الكتاب ولطائفه حتى يغفل عن المقصد الذي قرأ الكتاب لأجله، وهذه الآفة سببها غلبة حب الاستطلاع، والاسترسال مع النفس في ما يستأثر بعنايتها، ولو كان في غير مقصده الأصلي. واستطلاع طالب العلم ينبغي أن يكون موجَّها بما يرجو أن يحقق له أعلى المصالح، وأن يقدّم العناية بتحقيق المقصد على ما سواه، فإنّه متى صرف عنايته إلى تحقيق المقاصد أمكنه أن يسير في خطّته العلمية حتى يتقدّم بها تقدّما كبيراً بإذن الله تعالى. وإذا اشتغل بملح العلم عن أصوله أضاع كثيراً من جهده ووقته في غير البناء الذي يُعتمد عليه في تحصيله العلمي، وإن كان في ظاهر الحال مشتغلا بقراءة الكتب.